التصدّي لدول التّطبيع السائرة في صفقة القرن

تاريخ الإضافة الثلاثاء 4 حزيران 2019 - 1:23 م    عدد الزيارات 1431    التعليقات 0     القسم مقالات

        


هشام يعقوب

رئيس قسم الأبحاث والمعلومات في مؤسسة القدس الدولية

مع الإعلان عن عقد ورشة العمل الاقتصاديّة "السلام من أجل الازدهار" في البحريْن تكون الإدارة الأمريكيّة قد خطَتْ خطوة إضافيّة نحو فرض رؤيتها للسلام بين الفلسطينيين والإسرائيليين. الإعلان عن هذه الورشة جاء في بيان أمريكيّ بَحرانيّ مشترك في 19 أيار/مايو 2019 وحدّد تاريخها في 25 و 26 حزيران/يونيو 2019، والهدف منها وهو "إنعاش اقتصاد المنطقة ومنح فرصة لشعوبها - من ضمنهم الفلسطينيون- لعيش حياة أفضل... وتوفير الدعم للاستثمارات الاقتصاديّة المحتملة والمبادرات التي يمكن التوصل لها باتفاقية سلام" حسب ما أورده موقع سي أن أن بالعربية. وليس هذا الإعلان باكورة الخطوات الأمريكيّة لتنفيذ صفقة القرن كما قيل في الإعلام، بل سبقته خطوات لا تقلّ خطورة استهدفت القدس واللاجئين والأونروا والأسرى ومنظمة التحرير الفلسطينية والدعم الماليّ للفلسطينيين، ولكنّ أهميّة هذه الورشة تكمن في كونها أول اجتماع رسميّ معلن على مائدة صفقة القرن بمشاركة دولية وعربية وإسرائيليّة، وأول خطوة رسمية أعلنت عنها الإدارة الأمريكيّة لتنفيذ الصفقة؛ فكلّ ما سبق من إجراءات حسب المنظور الأمريكيّ كانت تمهيديّة لتهيئة الأجواء للإعلان عن خطة السلام الأمريكية، وإزاحة العقبات الكبرى التي يمكن أن تعرقل تنفيذها.

 

وإذا كان الصوت الفلسطينيُّ عاليًا في رفض ما تحوكه الإدارة الأمريكية من مؤامرات وصفقات لتصفية القضية الفلسطينية، فإنّه يبدو خافتًا ومتلعثمًا في رفض الدور الذي تؤدّيه بعض الدول العربية المتماهية مع الرؤية الأمريكية الإسرائيلية لحلّ الصراع في فلسطين، وهي بلا شك رؤية مجحفة وتنتقص من حقوق الشعب الفلسطيني الثابتة بالنظر إلى ما رشح من قرارات وإجراءات وتسريبات متصلة بها.

 

ولا نتحدث في هذه الأسطر عن ضرورة مواجهة إدارة ترمب ورفض إملاءاتها وآليات تلك المواجهة؛ إذ قيل الكثير في ذلك مع ملاحظة افتقار ما قيل إلى النظرة الاستراتيجيّة الشاملة، واقتصاره في العموم على مقترحات محليّة التنفيذ، ومحدودة التأثير، ولكنّ ما نراه مهمًّا في هذه الآونة هو عدم التغاضي عن الدور المشبوه لبعض الحكومات العربيّة لتمرير صفقة القرن، ومؤازرة ترمب ونتنياهو في فرضها على الفلسطينيين.

 

لقد تجنَّبت الأنظمة العربيّة عبر العقود الماضية التورط بمشاريع تصفية مباشرة وعلنية للقضية الفلسطينية، وحاولت المحافظة على حدٍّ أدنى من المواقف والأداء والمسؤوليّة تجاهها، ولكنّ بعض هذه الأنظمة اليوم انتقل من دائرةِ المشتبه بهم في التآمرِ على القضية الفلسطينية إلى دائرة المتورطين يقينًا عن سابقِ عمدٍ وإصرار بالتآمر عليها وتصفيتها. وانتقلت هذه الأنظمة من مرحلة تبرير عجزها وتقاعسها عن نصرة فلسطين بالظروف والضغوط إلى مرحلة أخذ زمام المبادرة في طرح أفكارٍ تصفويةٍ والمساعدة في تنفيذها، وها نحن نتابع قرارات بعض الحكومات بتجريمِ المقاومة والتحريض عليها ووصمها بالإرهاب، واعتقال شخصيات محسوبة على تيار المقاومة الفلسطينية، وتجفيف منابع دعم الشعب الفلسطينيّ، واحتضان شخصيات وهيئات إسرائيلية في بلدانها، والضغط على دولٍ محوريّة في الصراع مع الاحتلال لتقديم تنازلات في ملفات معينة، وما الابتزاز الاقتصاديّ المُمارس على الأردن عنا ببعيد إذ يُراد منه الرضوخ في ملفّي القدس واللاجئين، ولبنان كذلك مطلوب منه تقديم تنازلات في ملف اللاجئين الفلسطينيين مقابل عروض اقتصاديّة مُغرية.

 

ترتكب الفصائل والسلطة الفلسطينية خطأً فادحًا حين لا يلحظون الانقلاب الخطير في مواقف بعض الأنظمة العربيّة وصولًا إلى مناداتها بحقّ الاحتلال الإسرائيليّ بالوجود وطمأنتِه وتجاهل الشكاوى الفلسطينيّة من عبء الاحتلال بكلّ تبعاتِه وتفلّته من أي التزامات، وتنظيم مؤتمرات بيع القضية الفلسطينية في سوق النخاسة الدولية، وحين تبقى متمترسةً خلف سياستها القديمة المتمثلة بتحاشي الرفض القوليّ والفعليّ لسياسات بعض الدول العربيّة التي تسير في ركب التطبيع وتسهيل تمرير صفقة القرن بذريعة حصر المواجهة مع الاحتلال. إنّ انحدار مواقف بعض الدول العربيّة إلى حضيض استعداء الفلسطينيين والمشاركة المباشرة في تصفية قضيتهم يُحتِّم إعادة قراءة الخريطة العربيّة وتصنيف دولها من جديد بناء على مقياس التمسّك بالحقوق العربية والإسلامية والفلسطينية الثابتة في فلسطين، ومن ثَمَّ اتخاذ ما يناسب من إجراءات.

 

وتتطلب إعادة القراءة هذه إزالة الغبش الذي قد يحول بين الفلسطينيين وحقائق الأمور، ومن أشكال الغبش تلك الملايين من الدولارات التي تضعها بعض الدول في جَيْب الفلسطينيين لقاءَ صمتهم عن حقيقة الدَّور الخبيث لتلك الدول، وتضليل الشعب الفلسطينيّ عبر الظهور بمظهر الوسيط الحريص على تجنيبه ويلات أيّ حرب مفتوحة، وكذلك الشعارات القومية والدينية الرنّانة التي تُظهِر خلاف ما تبطن من تآمر واستعداد لتقديم خدمات لا تقدّر بثمن لوليِّ الطاعةِ في البيتِ الأبيضِ الآمرِ بتصفية القضية الفلسطينية والنّاهي عن دعم الفلسطينيين. ومن أشكالِ الغبش المؤهّل ليتطوّر إلى حَوَلٍ استحداثُ أعداء جُدد في الإقليم تستلزم مجابهتُهم رصَّ الصفوف إلى جانب الاحتلالِ الإسرائيليّ "الصديق".

 

ومع جلاء الصورة، لا يعود من السياسة تبني سياسة المجاملة والتغاضي والغمز من قناة دول التطبيع ووكلاء صفقة القرن من العرب. إنّ بقاء الفلسطينيين بلا استراتيجيّة مواجهة لدور الأنظمة المتآمرة على قضيتهم يرفع من احتماليات إحداث اختراقات في موقفهم الرافض لصفقة القرن مهما كان صلبًا؛ لأن محاولة الاختراق هذه المرة مصدرها الجبهة الداخلية العربية التي يفترض أن تكون إلى جانب الفلسطينيين لا ضدّهم، ومعلوم أنّ الاختراقات الداخلية أجدى بالتأثير من محاولات الاختراق الخارجية، وهذا ما تبرّعت بعض الأنظمة بتنفيذه. لا شكّ في أنّ الأمر ليس سهلًا؛ فما نطالب به من استراتيجيّة موجَّهٌ هذه المرة ضدّ إخوةٍ جاروا على الفلسطينيين، وليس ضد الاحتلال الإسرائيليّ وأمريكا، وفي هذه الحالة يبدو أنّ الفلسطينيين يبتلعون السِّكّين على الحدّيْن؛ فإنْ تركوا إخوانهم العرب المتآمرين يتمادون في تآمرهم خسروا قضيتهم، وإنْ تصدّوا لهم تكبدَ الطرفان خسائرَ موجعة لأنّها من الرصيدِ الواحد، والجسدِ الواحد، غير أنّ المطلوب تحمّل خسائر دون خسائر إذ تبقى خسارة فلسطين هي الأكبر، ودون ذلك هو مما يُطاق لا سيّما إذا كان من قبيل الاضطرار لا الاختيار.

 

إنّ التصدي لتيار التطبيع والتآمر في الأمة العربية يتطلب حكمةً ودقّة تُعِينان في التصويب على رؤوس المجرمين المتآمرين لا الضحايا المُختَطَفِين أي الشعوب، ويحتاج إلى ديناميّة في قراءة المتغيّرات، وبناء التحالفات، واستنهاض كلّ مكامن القوة والمناعة السياسية والأخلاقية والدينية في الأمة ليلفظ جسدُها سُمَّ التطبيع الدّخيل عليه، وعار التآمر على فلسطين وشعبها. وإذا كانت الفصائل الفلسطينية على اختلاف مشاربها والسلطة الفلسطينيّة يتهيّبون من تصدّر المواجهة مع عرّابي صفقة القرن من العرب، فليحسنوا إعطاء الفرصة للشعب الفلسطينيّ؛ فإنّ بوسعه أن يقول ما ليس بوسع الفصائل والسلطة قوله، وبإمكانه أنْ يبتكر وسائل تناسب طبيعة المواجهة وخصوصيّتها كما ابتكر في مسيرات العودة، وانتفاضة القدس، وهبّة باب الأسباط، وهبّة باب الرحمة.

المصدر: الميادين نت، 3/6/2019

مقالات متعلّقة

براءة درزي

برد الثلاجات إذ يغدو لهيبًا!

الخميس 12 أيلول 2019 - 3:06 م

لا ينفكّ الاحتلال يستغلّ جثامين الشهداء ومقابر الأرقام ضمن وسائل الضبط والعقاب التي يسعى عبرها إلى ترويض الفلسطينيين، وخلق مجتمع خانع راضٍ بالاحتلال، تارك للمقاومة، نابذٍ لها، معرضٍ عنها. وتتحالف أذرع… تتمة »

علي ابراهيم

خمسون عامًا على الجريمة.. والأقصى حيٌّ فينا

الثلاثاء 20 آب 2019 - 4:48 م

كثيرةٌ هي المشاهد التي تؤثر بك تأثيرًا شديدًا، وتغير في كنهك أمرًا صغيرًا لا تدركه، ولكنه عميق الأثر، غائر المعنى.. وكثيرة أيضًا تلك الأسئلة البسيطة الساذجة ولكنها وفي ثوب البساطة تزخر بأعظم المعاني، … تتمة »