تهويد القدس تحت مظلّة صفقة القرن

تاريخ الإضافة الأربعاء 10 تموز 2019 - 12:31 م    عدد الزيارات 1149    التعليقات 0     القسم مقالات

        


براءة درزي

باحثة في مؤسسة القدس الدولية

لم تعرقل ورشة البحرين التي عقدت في 25-26/6/2019، مخططات الاحتلال التهويدية في القدس المحتلّة، وعلى الرغم من أنّ مشروع التهويد مستقل بذاته إلّا أنّه يمكن القول إنّ صفقة القرن، وورشة البحرين أحد تجلياتها، قد خلقت بيئة محفزة لدولة الاحتلال للاستمرار في مشاريع التهويد، كون إدارة ترمب تتبنى الرواية الإسرائيلية بوضوح لا لبس فيه. وقد توالى مسلسل التهويد فصولاً في الأشهر القليلة الماضية اعتداءات على الأقصى، لا سيما باب الرحمة، ومصادقة من محكمة الاحتلال على قرارات هدم تستهدف أحياء مقدسية كاملة، وحصارًا على العيسوية وحملة دهم واعتقالات لا تزال مستمرة إمعانًا في كسر إرادة الصمود والمقاومة لدى أهل البلدة، تمهيدًا لتنفيذ مخطّطات تهويدية فيها.

 

والبداية من المسجد الأقصى، تحديدًا من شهر رمضان الذي شهد استمرار محاولات الاحتلال تغيير الوضع القائم فيه، وتكريس قواعد الاحتلال إن في السياق المرتبط بالاعتكاف، والعمل على تفريغ المسجد من المعتكفين، أو في استهداف مصلى باب الرحمة. فقد عمل الاحتلال على طرد المصلين ومنعهم من الاعتكاف في المسجد في معظم ليالي العشرين الأولى من شهر رمضان، أما في العشر الأواخر فلم يمنع الاقتحامات إجمالًا، بل إنّه شرع المسجد أمام المستوطنين يوم 28 رمضان ليحتفلوا بذكرى استكمال احتلال القدس، بما في ذلك الأقصى، قبل 52 عامًا.

 

وصعّد الاحتلال من وتيرة استهداف مصلى باب الرحمة بعد انتهاء عيد الفطر، وقد شهدت الأيام الماضية جملة من التطورات التي تؤكّد سعي الاحتلال إلى الحؤول دون تكريس باب الرحمة مصلى، فاعتقلت قوات الاحتلال شبانًا مقدسيين من منطقة باب الرحمة مساء 7/7/2019، وطردت المصلين منه، وصارت الشرطة السواتر الخشبية التي تفصل بين الرجال والنساء ثم صادرت خزائن الأحذية وألقتها خارج المصلى كذلك. ولوحظ حرص قوات الاحتلال على اقتحام باب الرحمة بأحذيتهم، من باب تأكيد المزاعم الإسرائيلية أنّ باب الرحمة ليس مصلى، ولن يكون كذلك. وعلاوة على ذلك، أبلغت شرطة الاحتلال لجنة الإعمار في الأقصى في 28/6/2019 بضرورة إزالة المظلات التي جرى تركبيها في شهر رمضان في صحن قبة الصخرة للتخفيف من وطأة الحر، وبمنع إدخال أي مواد للترميم قبل إزالة السجاد من باب الرحمة.

 

وفي السياق المتعلق بالتهويد الديموغرافي، تحضّر سلطات الاحتلال لمجزرة هدم تطال حيين في صور باهر وفي سلوان. فقد رفضت المحكمة العليا للاحتلال التماسًا قدمته لجنة حي وادي الحمص بصور باهر، للمطالبة بإلغاء إخطارات الهدم الصادرة ضد 16 بناية سكنية وتضم 100 منزل بالحي، ما يعني أنه سيكون على أصحاب المنازل هدمها حتى 18/8، وإلا ستهدمها بلدية الاحتلال وتفرض على الأهالي تحمل كلفة الهدم الباهظة. كذلك الأمر في وادي ياصول في سلوان إذ تسعى سلطات الاحتلال إلى هدم الحي بكامله بذريعة البناء من دون ترخيص. وقد ردت المحكمة العليا الاستئناف الذي قدمه أصحاب المنازل والمنشآت التجارية في الحي، ضد قرار هدم منشآتهم الذي أصدرته المحكمة المركزية ضد أربعة منازل سكنية وعدة منشآت تجارية وبركسات خيول، فيما أكدت لجنة حي وادي ياصول أنّ الهدم يتهدد الحي بأكمله بواقع 84 منزلاً بعد رفض الاستئناف.

 

وفي سلوان كذلك، افتتح الاحتلال في 30/6/2019 نفقًا تهويديًا أسفل سلوان، باسم "طريق الحجاج"، وشارك في الافتتاح كل من السفير الأمريكي لدى دولة الاحتلال، ديفيد فريدمان، والمبعوث الأمريكي الخاص إلى الشرق الأوسط، جيسون غرينبلات. ويمتد النفق بين بركة سلوان التاريخية وأسفل المسجد الأقصى وباحة حائط البراق المحتل. وكان للسفير الأمريكي تصريح في أثناء مراسم الافتتاح، قال فيه: "إن العلاقة بين الولايات المتحدة وإسرائيل علاقة متينة وثابتة ولا يمكن زعزعتها، وإن ما تم حفره والكشف عنه إنّما هو حقيقة لا يمكن الطعن فيها".

 

صعّد الاحتلال وتيرة اعتداءاته على العيسوية، ضمن مسلسل العقاب الجماعي الذي يستهدف البلدة. وقد شنّ الاحتلال، منذ حوالي شهر، حملة دهم واعتقالات تطال أبناء البلدة، قتل في أثنائها الشاب محمد سمير عبيد الذي استشهد في 27/6/2019 برصاص قوات الاحتلال. وقد كانت العيسوية في مقدمة البلدات المقدسية المقاومة التي استهدفها الاحتلال عقب اندلاع انتفاضة القدس في تشرين أول/أكتوبر 2015 بالتضييق والحصار والعقاب الجماعي، ليقمع أهلها ويمنع أي حراك مقاوم ضدّه، وضدّ سياساته التهويدية التي تستهدف البلدة خصوصًا والقدس بصورة عامة.

 

ويمكن القول إنّ التهويد في القدس مشروع قائم بذاته وسابق على طرح صفقة القرن وانعقاد ورشة البحرين، لكن على الرغم من ذلك، فإنّ الصفقة وما تمثّله من تبنٍّ أمريكي للرواية الإسرائيلية، ساهمت في تعزيز البيئة الحاضنة للتهويد الإسرائيلي للقدس، وساعدت الاحتلال، إضافة إلى عوامل أخرى، على الاستمرار فيه والتصعيد من حدّته. والرفض الفلسطيني لصفقة القرن والإعلانات المتتالية إن من السلطة أو الفصائل أن صفقة القرن ولدت ميتة موقف مطلوب، لكن من المهم رفده بما يعزّزه فعلاً بخطوات جدية وعملية. ولعلّ عملية الدهس التي نفذها شاب فلسطيني مساء 6/7/2019، عند حاجز عسكري ببلدة حزما شمال القدس المحتلة، هي الردّ الأبلغ على صفقة القرن، وعلى الاحتلال ومشاريعه التهويدية، وكلّ مخططات تصفية القضية الفلسطينية.

رابط النشر

إمسح رمز الاستجابة السريعة (QR Code) باستخدام أي تطبيق لفتح هذه الصفحة على هاتفك الذكي.



السابق

كيف يبدو المشهد في القدس؟

التالي

من هبّة باب الأسباط إلى هبّة باب الرحمة: انتصارات تصنعها الجماهير

مقالات متعلّقة

براءة درزي

برد الثلاجات إذ يغدو لهيبًا!

الخميس 12 أيلول 2019 - 3:06 م

لا ينفكّ الاحتلال يستغلّ جثامين الشهداء ومقابر الأرقام ضمن وسائل الضبط والعقاب التي يسعى عبرها إلى ترويض الفلسطينيين، وخلق مجتمع خانع راضٍ بالاحتلال، تارك للمقاومة، نابذٍ لها، معرضٍ عنها. وتتحالف أذرع… تتمة »

علي ابراهيم

خمسون عامًا على الجريمة.. والأقصى حيٌّ فينا

الثلاثاء 20 آب 2019 - 4:48 م

كثيرةٌ هي المشاهد التي تؤثر بك تأثيرًا شديدًا، وتغير في كنهك أمرًا صغيرًا لا تدركه، ولكنه عميق الأثر، غائر المعنى.. وكثيرة أيضًا تلك الأسئلة البسيطة الساذجة ولكنها وفي ثوب البساطة تزخر بأعظم المعاني، … تتمة »