المرحلة الأولى من "صفقة القرن": طمس السّياسة بالاقتصاد

تاريخ الإضافة الخميس 23 أيار 2019 - 10:24 ص    عدد الزيارات 1470    التعليقات 0     القسم مقالات

        


براءة درزي

باحثة في مؤسسة القدس الدولية

بعد أشهر من التكهّنات والتسريبات حول الخطّة الأمريكية للسلام، بدأت الإدارة الأمريكية الكشف رسميًا عن المرحلة الأولى من الخطّة التي ستطلق من البحرين. فقد قال بيان بحراني أمريكي مشترك إنّ "مملكة البحرين ستستضيف بالشراكة مع الولايات المتحدة الأمريكية الورشة الاقتصادية (السّلام من أجل الازدهار) في المنامة في 25 و26 حزيران/يونيو 2019". ويشارك في المؤتمر عدد من وزراء المالية والاقتصاد، وليس وزراء الخارجية، لتركيز البعد الاقتصادي للمؤتمر. وقال ستيفن منوشن، وزير الخزانة الأمريكي، إنّه يتطلّع قدمًا إلى "النقاشات المهمة حول الرؤية التي توفر فرصًا جديدة مثيرة للاهتمام للفلسطينيين ليدركوا إمكانياتهم الكاملة؛ ستشمل هذه الورشة قادة من جميع دول المنطقة من أجل دفع الدعم الاقتصادي ومنح فرص لشعوب هذه المنطقة".

 

وكان سبق هذا الإعلان ما قاله جيسون غرينبلات، مبعوث ترمب إلى الشرق الأوسط، في مقابلة متلفزة بثتها فوكس نيوز في 11/5/2019، إنّ خطة السلام الأمريكية ستتناول جميع القضايا الأساسية وستكون خطة سياسية واقتصادية على حد سواء. وأكّد في الوقت ذاته أنّ إدارة ترمب لن تفرّط بأمن "إسرائيل" بل ستتناوله بما لا يترك مجالًا للتأويل.

 

وهكذا، يتبيّن أنّ المحدّد الأول والأهم لأيّ طرح أمريكي قادم هو أمن دولة الاحتلال، فيكون المنطلق لتحديد القدر المسموح به للفلسطينيين هو ما تعدّه دولة الاحتلال ضرورة للمحافظة على أمنها. أمّا الحديث عن الاقتصاد والاستثمار كمرحلة أولى من الصفقة فهو مناقض لحقيقة أنّ ترمب بدأ بتنفيذ خطته للسلام قبل أن يضع أطرها فريقه الذي يقوده جاريد كوشنر، صهر ترمب وكبير مستشاريه. وخطوات ترمب على طريق "السلام" كانت سياسية قبل أي شيء آخر، من إعلان القدس عاصمة لدولة الاحتلال، ومن ثمّ نقل السفارة الأمريكية إلى المدينة المحتلة ومحاولة فرض ذلك كأمر واقع، واتخاذ جملة من القرارات لتجفيف المساعدات الأمريكية المخصصة للفلسطينيين، لا سيما الدعم المرصود لوكالة الأونروا، مع ما يعنيه ذلك من استهداف وتصويب على حقّ العودة. يضاف إلى ذلك، اعترافه مؤخرًا بالسيادة الإسرائيلية على الجولان السوري المحتلّ، ودلالات ذلك لجهة فرض الأمر الواقع.

 

وبناء على ذلك، يمكن القول إنّ الورشة الاقتصادية المزمع عقدها في البحرين الشهر القادم هي الثمن الذي يريد به ترمب أن يطمس به العطايا والمنح السياسية التي أغدق بها على دولة الاحتلال منذ قرّر أنّه سيحلّ الصراع الذي عجز عن حلّه كل من سبقه من الرؤساء الجمهوريين والديمقراطيين على حد سواء؛ فهو يرى العالم من منظور رجل الصفقات.

 

إنّ ما يمكن استنباطه حول جوهر الخطة الأمريكية هو قناعة القائمين عليها بأنّ الحقوق الفلسطينية ستحل محلها الاستثمارات والمشاريع المالية والتطور الاقتصادي، وانّه من الممكن ابتزاز الفلسطينيين في حقوقهم عبر إغراءات مالية واقتصادية، وتصفية قضيتهم عبر تجميل رداءة الخطوات السياسية التي اتخذها إلى الآن لمصلحة "إسرائيل" بمشاريع واستثمارات، ستصبّ حتمًا في مصلحة "إسرائيل". وبهذا، يحاول المؤتمر الاقتصادي القفز عن الخطوات التي اتّخذها ترمب في سياق تصفية القضية الفلسطينية سياسيًا، وتبني الرواية الإسرائيلية ويحاول أن يقايض الحقوق الفلسطينية بالازدهار الاقتصادي الموعود.

 

لكن واقع الحال يؤكّد أنّ الصراع ليس بسبب غياب الرفاهية الاقتصادية، ولا لأن الفلسطينيين يطالبون بالعيش برفاه تحت الاحتلال، وبالتأكيد ليس أقصى أمانهيم المحافظة على أمن الاحتلال في مقابل المال والاستثمار. كذلك، ليست مشكلة الفلسطينيين الاقتصاد المتردي، بل إنّ تردي الاقتصاد الفلسطيني سببه الاحتلال بالدرجة الأولى. وعلاوة على ذلك، زاد الوضع الاقتصاد الفلسطيني سوءًا بعد مؤتمر باريس الاقتصادي 1994 الذي جعل الاقتصاد الفلسطيني تابعًا للاحتلال الإسرائيلي ورهينة له، وعرقل نمو الاقتصاد الفلسطيني.

 

ختام القول، قد تكون الورشة الاقتصادية حلقة وصل بين ما كان وما يحضّر له كي يكون: بين الاعتراف الأمريكي بالقدس والجولان كجزءيْن من دولة الاحتلال من جهة أولى، وبين الاعتراف القادم بمعظم الضفة الغربية، أو "يهودا والسامرة" وفق الاحتلال، كجزء من "إسرائيل"، من جهة أخرى. وما أعلن عنه إلى الآن هو الرفض الفلسطيني الرسمي للمشاركة في المؤتمر، أمّا الموقف الشعبي فمحسوم لجهة رفض كل المخطّطات الرامية إلى تصفية القضية الفسطينية، وهو ما تعبر عنه أعمال المقاومة الشعبية في الضفة ومسيرات العودة في قطاع غزة. وحتى إن وجدت "صفقة القرن" دعمًا من بعض الأنظمة العربية، فإنّ هذا الدعم سيقى عاجزًا عن تمرير الصفقة من دون موافقة الفلسطينيين أنفسهم، ما يجعل المسؤولية الأكبر على عاتقهم لعدم الانجرار وراء الورشة الاقتصادية، وما قد تمهّد له من عودة إلى مسار التفاوض مع الاحتلال.

رابط النشر

إمسح رمز الاستجابة السريعة (QR Code) باستخدام أي تطبيق لفتح هذه الصفحة على هاتفك الذكي.



السابق

أزعجتهم منشوراتنا الداعمة للقضية الفلسطينية... "الفيس بوك" يغلق صفحة مؤسسة القدس الدولية

التالي

خيمة إبراهيم... رباط أقلق الاحتلال

مقالات متعلّقة

براءة درزي

برد الثلاجات إذ يغدو لهيبًا!

الخميس 12 أيلول 2019 - 3:06 م

لا ينفكّ الاحتلال يستغلّ جثامين الشهداء ومقابر الأرقام ضمن وسائل الضبط والعقاب التي يسعى عبرها إلى ترويض الفلسطينيين، وخلق مجتمع خانع راضٍ بالاحتلال، تارك للمقاومة، نابذٍ لها، معرضٍ عنها. وتتحالف أذرع… تتمة »

علي ابراهيم

خمسون عامًا على الجريمة.. والأقصى حيٌّ فينا

الثلاثاء 20 آب 2019 - 4:48 م

كثيرةٌ هي المشاهد التي تؤثر بك تأثيرًا شديدًا، وتغير في كنهك أمرًا صغيرًا لا تدركه، ولكنه عميق الأثر، غائر المعنى.. وكثيرة أيضًا تلك الأسئلة البسيطة الساذجة ولكنها وفي ثوب البساطة تزخر بأعظم المعاني، … تتمة »