قراءة في سياسة الاحتلال بتهجير الفلسطينيين من القدس

تاريخ الإضافة الإثنين 14 نيسان 2008 - 9:44 ص    عدد الزيارات 16765    التعليقات 0

        

مدخل تاريخي:

عملت حكومات الاحتلال المتعاقبة على تنفيذ توصية اللجنة الوزارية لشؤون القدس لعام 1973 برئاسة "غولدا مائير"، التي تقضي بألا يتجاوز عدد السكان الفلسطينيين في القدس 22% من المجوع العام للسكان، لإحداث خلخلة في الميزان الديمغرافي في المدينة.

غالبيّة يهوديّة في القدس- مشروع قديم 

لذلك لجأت سلطات الاحتلال إلى استخدام الكثير من الأساليب لتنفيذ هذه الوصية، وكان آخرها سحب الهويات من السكان العرب في القدس، حيث أقدمت السلطات على سحب الهويات من أكثر من خمسة آلاف عائلة مقدسية.

 

وتعتبر سياسة تهجير الفلسطينيين من مدينة القدس أحد الوسائل المعتمدة لدى دولة الاحتلال، من أجل خلق واقع جديد يكون فيه اليهود النسبة الغالبة في مدينة القدس، وقد وضعت حكومات الاحتلال المتعاقبة مخطّطات شريرة من أجل ذلك، ويتبين ذلك من خلال:

 

1- التصريحات التي أعلنها رئيس الوزراء السابق "أريئيل شارون" بمناسبة الذكرى الثامنة والثلاثين لاحتلال شرقيْ القدس، والتي واصل فيها أكاذيبه بالإعلان عن أنّ القدس ملكٌ لـ"إسرائيل"، وأنّها لن تكون بعد اليوم ملكاً لـ"الأجانب".

2- ما أعلنه الرئيس الحالي لدولة الاحتلال "شمعون بيريز" بضرورة التهجير الجماعيّ للفلسطينيين من مدينة القدس، الذين يقدّر عددهم بنحو 240 ألف مواطن.

3- البيان الصادر عن مجلس وزراء الاحتلال بعنوان "خطة تنمية القدس"، تضمّ تنفيذ مخطّطٍ استيطاني جديد يشمل هدم عشرات المساكن الفلسطينية، وتشريد مئات العائلات، في عدد من أحياء المدينة المقدسة.

4- يشمل ذلك المخطّط تنشيط المنظمات اليهودية المتطرفة، لجذب أموال اليهود الأمريكيين من الأثرياء، لشراء ممتلكات في القدس في صفقات مشبوهة.

5- مشروع قرار مجلس الشيوخ الأمريكي الذي يشترط الاعتراف بمدينة القدس عاصمةً موحّدة لـ"إسرائيل" مقابل الاعتراف بالدولة الفلسطينية مستقبلاً.

6- قرار الكونجرس الأمريكي اعتبار "القدس الموحدة عاصمة أبدية للدولة اليهودية"، وطلب وزارة الخارجية الأمريكية تسجيل الأمريكيّين الذين يولَدون في منطقة القدس الكبرى كمواليد "إسرائيليين".

 

وهكذا، ومن خلال هذه الإجراءات تحاول دولة الاحتلال باستماتةٍ فرض الأمر الواقع على الأرض، وإدخال قضية القدس هذه المرحلة الخطيرة، كما تشكّل هذه الإجراءات انتهاكاً صارخاً للقرارات والقوانين الشرعية الدولية، حيث ينصّ قرار مجلس الأمن 242 على أنّ شرقي القدس والضفة الغربية وقطاع غزة، ضمن الأراضي العربية المحتلة عام 1967.

 

سحب الهويات من المقدسيين:

عقب احتلال المدينة المقدسة عام 1967، تمّ صرف صفة إقامة دائمة للمواطنين الفلسطينيين من سكانها، الأمر الذي يمنحهم معظم الامتيازات التي يتمتّع بها مستوطنو دولة الاحتلال، باستثناء المشاركة في الانتخابات البرلمانية، وبموجب قانون الاحتلال، يحقّ للدولة العبرية سحب حقّ الإقامة من أيّ مواطن عربي من سكان القدس، إذا ما سكن في خارج البلاد، أو في مناطق السلطة الفلسطينية.

 

وقد اعتمدت سلطات الاحتلال سياسة سحب حقّ الإقامة من مجموعاتٍ من السكان المقدسيّين منذ العام 1995، في عهد "إيلي سويسا" الذي شغلتهجير مستمر لسكّان القدس منصب مدير لواء القدس في وزارة الداخلية، حيث تفاقم أمر إلغاء حق إقامة المقدسيين عندما تمّ تعيينه وزيراً عن الحزب الأصولي "شاس" عام 1996.

 

حيث دأب على وضع العراقيل أمام طالبي رخص البناء من مواطني القدس العرب، ما أدّى إلى نقصٍ هائلٍ في بيوت السكن، واضطر كثيرون إلى ترك القدس قسراً، ممّا حرمهم من حق الإقامة بموجب قانون الاحتلال السالف ذكره.

 

وقد كشفت منظمة في دولة الاحتلال تُعنى بحقوق الإنسان (بتسليم) عن حملة تطهير عرقيّ ضدّ الفلسطينيين في شرقي القدس المحتلة، تشنها حكومات الاحتلال المتعاقبة بوساطة وزارة الداخلية ومؤسسات رسمية أخرى، مثل بلدية الاحتلال القدس التي أرغمت آلاف الفلسطينيين المقدسيّين على السكن خارج حدودها، وقالت المنظمة في استجوابٍ لداخلية الاحتلال إنّ حجم سحب هويات المقدسيين تضاعف عدة مرات في العام الماضي.

 

إحصائيات خطيرة:

المنظمة الحقوقية استندت في تقاريرها الدورية لما أفادت به معطيات وزارة الداخلية أنّه تمّ عام 2006 سحب الهوية الزرقاء من 1363 مواطناً مقدسياً، ممّا يعني زيادة بنسبة 500% عمّا كان عليه الوضع عام 2005، وهي نسبة غير مسبوقة، وتعتبر الأعلى منذ عام 1985 حيث اعتمدت سياسة سحب حقّ الإقامة بالقدس من المواطنين الفلسطينيين من سكان المدينة المقدسة.

 

كما تعاظم عدد المواطنين الذين تمّ سحب حق الإقامة منهم، حيث تمّ إلغاء حق إقامة 739 مواطناً عام 1996، و1067 عام 1997، و788 عام 1998، لكن النسبة عادت وهبطت إبان تولي "ناتان شيرانسكي وزارة الداخلية، في السنوات 1999-2001، حيث استقرت على معدل 200-300 إلغاء في المعدّل.

 

واعتمدت وزارة الداخلية على قرارٍ للقاضي "أهارون باراك" من المحكمة العليا، الذي يقضي بأنّ الإقامة تُلغى عندما ينتقل الشخص إلى مكانٍ آخر غير المكان الذي منحت له الإقامة فيه.

 

وزعم "شالوم بنآمو"، المسؤول عن توفير المعلومات للجمهور في وزارة الداخلية، أنّ معظم الإلغاءات عامي 2005-2006 تمّتْ لأنّ ألأشخاص المعنيّين هاجروا خارج البلاد، وحصلوا على مواطنة في البلاد التي هاجروا إليها.

 

لكن منظمة "بتسيلم"، طلبت إيضاحاتٍ عمّا إذا كانت الزيادة في عدد الإلغاءات تنبع من سياسة جديدة لوزارة الداخلية، واعتبارها أنّه لا يمكن سحب حقّ الإقامة عن فلسطينيي القدس.

 

و يُستدل من معطيات وزارة الداخلية أنّ عدد سكان القدس الذين حُرِموا حق الإقامة الدائمة في مناطق الاحتلال خلال عام 2006، تضاعف خمسة أضعاف، ليبلغ أكثر من 1360 فلسطينياً.

 

مصادرة الحقوق الاجتماعية:

انتهجت سلطات الاحتلال في الفترة الممتدّة بين ديسمبر كانون الأول/ديسمبر 1995، ولغاية آذار آذار/مارس 2000، ومن خلال وزارة الداخلية، طريقةً إضافيةً لتقليص عدد المواطنين الفلسطينيين من سكان شرقي القدس، من خلال سحب مكانة الإقامة الدائمة ممّن انتقل للسكن خارج الحدود البلدية لمدينة القدس.

 

وكلّ من لم ينجحْ في أنْ يثبت، في الحاضر والماضي، أنّه من سكان القدس، يُطلَب منه مغادرة بيته للأبد، وفي هذه الحالة يفقد حقّه في السكن والعمل في دولة الاحتلال، ويتم سحب الحقوق الاجتماعية منه، ومن عائلته.

خلق أوضاعٍ اجتماعيّة بائسة لأهالي القدس جزءٌ من المشروع

 

علماً بأنّه لم يتمْ مطلقاً نشر هذه السياسة على الملأ، ولم يتمْ أبداً تحذير الفلسطينيين الذين غادروا القدس أنّهم يخاطرون بمكانتهم، وحقّهم في العودة، والعيش في بيتهم الكائن في القدس.

وبسبب سياسة حكومة الاحتلال في شرقي القدس ، فقد غادر عشرات آلاف الفلسطينيين المدينة، ليحطّ الكثير منهم الرّحال في أطرافها، والبعض الآخر غادر للضفة الغربية والأردن.

 

وحتى العام 1995، كان الانتقال خارج حدود البلدية لا يمسّ مكانتهم كمواطنين ثابتين في دولة الاحتلال، وحافظوا على هذه المكانة ما داموا يعودون إلى القدس، من أجل تجديد تراخيص الخروج الخاصة بهم في وزارة الداخلية، والتي عملت على تجديد التراخيص بصورة متعاقبة.

 

وبالتالي فإنّ المكوث المتواصل خارج حدود القدس، لمدة تزيد على سبع سنين متواصلة، دون تجديد تراخيص الخروج، كان من الممكن أنْ يؤدّي إلى سحب مكانة المواطنة.

 

وقالت "بيتسليم": أمّا الذين انتقلوا للعيش في أطراف المدينة، أو أماكن أخرى في الضفة الغربية، فلم يحتاجوا مطلقاً إلى تراخيص الخروج، وكان بمقدورهم العيش هناك عدة سنوات دون أنْ يؤثّر ذلك في مكانتهم.

 

الترانسفير الهادئ:

التقارير الصادرة بين الحين والآخر عن مؤسسات فلسطينية واحتلاليّة ودولية، أنّه في ديسمبر/كانون الأول 1995، قامت وزارة داخلية الاحتلال، بدون إنذارٍ مسبقٍ، بتغيير سياستها، بحجّة أنّ المواطنة الثابتة، على خلاف المواطنة المدنية، قضية تتعلّق بواقع الحياة، وعندما يتغيَّر الواقع، تنتهي بلديّة الاحتلال في القدس الجهة التنفيذيّة لمشروع التهويدصلاحية الرخصة التي تمنح المواطنة.

 

وبناءً على ذلك، فإنّ جميع الفلسطينيين الذين عاشوا خارج حدود القدس عدة سنوات، فقدوا حقّهم في السكن في المدينة، وتلقّوا أمراً من وزارة الداخلية بمغادرة بيوتهم.

 

إنّ الحقيقة القائمة على عودة هؤلاء الأشخاص على مدار السنوات إلى القدس، وقيام وزارة الداخلية بتجديد تراخيص الخروج الخاصة بهم بصورة متعاقبة، وتقديم الخدمات الإضافية لهم، تحوّلت إلى سياسةٍ عديمة المعنى، حيث بدأت الوزارة تطالب بالحصول على إثباتات حول وجود، مركز حياة في المدينة.

 

وكان سقف الإثباتات الذي طالبت به الوزارة عالياً، واشتمل على قائمة طويلة من المستندات، وطبقاً للمستندات الرسمية، فقد انتهت صلاحية الإقامة الثابتة لأكثر من 3.000 شخص منذ ديسمبر/كانون الأول 1995.

 

وخلال مارس آذار عام 2000، قدّم وزير الداخلية السابق، ناتان شيرانسكي، تصريحاً لمحكمة العدل العليا أعلن من خلاله عن وقف سياسة الترانسفير الهادئ، وطبقاً للتصريح فإنّ وزارته ستعود لاتّباع هذه السياسة التي كانت متبعة عام 1995، فجميع مواطني القدس الفلسطينيين الذين يعودون لتجديد بطاقة الخروج الخاصة بهم في الموعد المحدد، سيحافظون على مكانتهم كمواطنين ثابتين، حتى لو كانوا يسكنون في الأردن أو دولة أخرى.

 

ولن يتمَّ سحب مكانة المواطنين الثابتين من مواطني القدس، الذين انتقلوا للعيش في أطراف القدس، أو في أماكن أخرى في الضفة الغربية، ولا يحتاجون لبطاقة الخروج، وجاء في التصريح أنّ مكانة المواطنة ستُرَدّ لمن تمّ سحبها منهم، بشرط أنْ يمكثوا في القدس لمدة سنتين على الأقل.

 

وأكّدت التقارير الحقوقية أنّه يجب التعامل مع المقدسيّين في شرقي القدس باعتبارهم مواطنين لا يمكن سحب حقوقهم في العيش بالمدينة، وبالتالي يجب عدم التعامل معهم كمهاجرين، أو متجنّسين يقيمون في القدس وفقاً لشروط، إذْ أنّ حقّهم بالعيش في المدينة التي وُلِدوا فيها وارد في القانون الدولي.

 

ظروفٌ لا تطاق:

 

على صعيد آخر، ولاستكمال سياسة التهجير لفلسطينيي القدس، تعمل سلطات الاحتلال على إلغاء الدور الفلسطيني فيها، من خلال قمع وإلغاء معظم النشاطات والفعاليات التي يتم تنظيمها في شرقي القدس.الجدار الفاصل أداة جديدة لخلق واقعٍ تهويديّ جديد

 

كما تمنع سلطات الاحتلال بين الحين والآخر الشخصيات الفلسطينية الرسمية من دخول القدس، بينما أطلقت حملة إعلامية للترويج للمزاعم والأكاذيب حول "القدس اليهودية الموحدة والعاصمة الأبدية لدولة إسرائيل".

 

كما تعمل دولة الاحتلال على تحطيم الهالة المقدّسة لمدينة القدس، والمساس بمكانتها الدينيّة، من خلال منع المؤمنين من أتباع الديانات السماوية الإسلامية والمسيحية من الوصول إلى الأماكن المقدسة، فيما تقدّم التسهيلات للشوّاذ "مثيلي الجنس" من مختلف أرجاء الأرض لزيارة القدس، والسير في شوارعها وأزقتها.

 

أكثر من ذلك، تقول التقارير إنّ دولة الاحتلال لا تزال مستمرّة في إجراءاتها ضد أبناء مدينة القدس، من خلال سحب الهويات، وتهجير السكّان العرب، وانتهاج سياسة عنصرية مبرمجة، وإقامة "الجدار الفاصل" الذي فصل المقدسيّين عن مصالحهم الاقتصادية، التعليمية، الصحية، الاجتماعية، إضافةً للحواجز العسكرية، والضرائب الباهظة، استمرار سياسة هدم المنازل، وحرمان المواطنين من البناء، والتوسع العمراني.

 

وبالتالي فإنّ أهالي مدينة القدس يعيشون في ظلّ ظروفٍ سكنيّة ومعيشية لا تُطاق للمحافظة على مواطنتهم بمدينة القدس، خاصةً بعد أنْ ألغت سلطات الاحتلال مواطنة آلاف المقدسيّين الذين اضطروا للسكن على بعد أمتار من حدود بلدية الاحتلال في القدس، فيما صادقت حكومة الاحتلال على قانونٍ يمنح رجال أعمال يهود من الخارج حقّ المواطنة في القدس دون أنْ يعيشوا فيها شهراً واحداً.

 

كما يواصل الاحتلال إحكام قبضته على البلدة القديمة من القدس، ويمنع حملة "الهوية الزرقاء" من الوصول للمسجد الأقصى المبارك، واحتجاز البطاقات الشخصية لمئات الشبان.

 

إجراءات سلطة الآثار:

وضاعفت سلطات الاحتلال من إجراءاتها القمعية ضدّ أعمال الترميم التي يقوم بها عرب القدس، وأطلقت العنان للجمعيات الاستيطانية للسطو على المساكن والمحال والمؤسسات المقدسية، حيث تمّ نقل النشاط الرئيس لسلطة آثار الاحتلال للبلدة القديمة، تمهيداً لإطلاق أكبر عمليات حفرٍ وتنقيب يمكن أنْ تشهدها القدس القديمة، مما يساهم في تغيير معالمها وتهديد طابعها الحضاري.

 

علماً بأنّ نقل نشاط سلطة الآثار إلى القدس القديمة، يساعد على تكثيف عمليات حفر الأنفاق التي ستربط بين مراكز محدّدة في الحي اليهودي، وأجزاء الحوض المقدس خارج الأسوار، إضافةً لتواصل الحفريات تحت الأقصى وحوله.

* باحث فلسطيني في شؤون الاحتلال.

رابط النشر

إمسح رمز الاستجابة السريعة (QR Code) باستخدام أي تطبيق لفتح هذه الصفحة على هاتفك الذكي.


براءة درزي

كقدسٍ فيها مصباح..

الخميس 11 تشرين الأول 2018 - 8:41 ص

 صادفت يوم الثلاثاء الذكرى السنوية الثانية لاستشهاد أسد الأقصى مصباح أبو صبيح الذي نفّذ في 9/10/2016، عملية فدائيّة في حي الشيخ جراح، خاصرة المسجد الشمالية المستهدفة بالتهويد. العملية التي أدّت إلى مق… تتمة »