عام على جريمة محمد أبو خضير: هل خنق الاحتلال عطر شهادته؟

تاريخ الإضافة الأربعاء 1 تموز 2015 - 3:19 م    عدد الزيارات 15687    التعليقات 0     القسم مقالات مختارة، مقالات

        


براءة درزي

باحثة في مؤسسة القدس الدولية


في 2/7/2014 وجدت جثة الفتى المقدسي محمد أبو خضير، ذي الأعوام السبعة عشر، في غابات القدس بعد أن خطفه ثلاثة مستوطنين وأحرقوه حيًا. اختزلت هذه الجريمة ممارسات "إسرائيل" بحقّ المقدسيين على مدى عقود من الاحتلال: مساعٍ لخطف المقدسيين من مدينتهم، وأرضهم، وثقافتهم، وهويتهم، ومحاولات لحرق حقّهم، وصمودهم، ومقاومتهم. شكلت الجريمة بتداعياتها محطة فارقة في يوميات القدس والمقدسيين، وتدحرجت ارتداداتها بالتزامن مع العدوان الإسرائيلي على قطاع غزة المحاصر الذي أعطى المقدسيين دفعًا آخر للتحرك في وجه الاحتلال. ومع استهداف القدس ومستوطناتها بالصواريخ كردّ على العدوان عادت المدنية المحتلة لتشكّل منطلقًا للمقاومة بعد أن ظنّ الإسرائيلي أنه دجّن أهلها فرغبوا عنها طمعًا في العيش تحت ظل الاحتلال.

 

 

شُيِّع جثمان أبو خضير في 9/7/2014 بمشاركة آلاف من الفلسطينيين حملوا الجسد المسجّى تظلّله هتافات "انتفاضة انتفاضة". ولعل قوات الاحتلال استشعرت ما ستؤول إليه الأمور فحاولت قمع المشاركين وأطلقت عليهم الرصاص المطاطي وقنابل الغاز ما أدّى إلى وقوع إصابات وحالات اختناق. المواجهات التي شهدتها شعفاط الغاضبة لم تخنقها قنابل الاحتلال بل انتقلت إلى أحياء القدس المختلفة وباتت المواجهات قصة شبه يومية ترويها مساءات العيسوية، والطور، ورأس العمود، وجبل المكبر ومخيم شعفاط، وغيرها.

 

تطوّرت المواجهات في القدس مع لجوء الشباب إلى إلقاء الحجارة والزجاجات الحارقة على قوات الاحتلال، وإعطاب القطار الخفيف، وصولاً إلى تنفيذ عمليات دهس وطعن تحاكي التصدي للاحتلال من "مسافة الصفر" كما في عملية قاعدة "زيكيم" العسكرية. توالت عمليات الطعن أو الدهس التي أقلقت الاحتلال، وأرعبت المستوطنين، إذ لا يمكن التنبؤ بها أو اكتشافها بما يسهّل إحباطها قبل تنفيذها. وعلى الرغم من أن إجراءات الاحتلال ساهمت في تخفيف وتيرتها إلا أنها لم تقضِ عليها، فكانت تظهر في كل مرة يتمكن فيها "ذئب منفرد" من خرق إجراءات الاحتلال ليهاجم القطيع الخائف والمتلطي خلف جدار، وسلاح، وكاميرات مراقبة لا يمكن أن تنقل له ما يجول في خاطر هذا الشاب أو ذاك الشيخ.


قلب الحراك الشعبي في القدس الحسابات لدى الاحتلال، فبعد أن كان مضطرًا للتعامل مع الصواريخ التي تطلقها المقاومة من غزة أدرك أنّ الخطر بات "بين ظهرانينا"، وأن سنوات "الهدوء" التي أعقبت انتفاضة الأقصى لم تدجّن المقدسيين الذين لم يتماهوا مع الاحتلال ولم يصبحوا جزءًا منه، وهم لن يصبحوا، وشملت إجراءاته حملات اعتقال شبه يومية حصدت ما يزيد على 1500 فلسطيني حتى نهاية عام 2014. وفي الضفة الغربية، وجدت "إسرائيل" من يرقص لأنغامها فالسلطة تقوم بالتنسيق الأمني على أكمل وجه، وبعض مسؤوليها يتعهدون بأنَ الضفة لن تشهد انتفاضة ثالثة ما دام الرئيس محمود عباس على رأس السلطة.


على المدى العربي الأوسع لم يلقَ استشهاد أبو خضير إلا عبارات خجولة من الإدانة والاستنكار، ودعوات إلى التحقيق في الجريمة ومعاقبة المتورطين، ثم ماتت الإدانات وتلاشت، ولعل رؤية "إسرائيل" عاجزة عن ضبط الحراك شكل قلقًا لبعض الأنظمة فصار الهاجسُ الرسمي القضاءَ على الحراك المقدسي ومنعَ تمدده، وعُقد في هذا الإطار لقاء في عمان في كانون أول 2014 جمع كلاً من ملك الأردن ورئيس حكومة الاحتلال ووزير الخارجية الأميركي جون كيري بهدف مناقشة سبل الحد من "التوتر في القدس"! وبالطبع لم يلاحظ المجتمعون أن المشكلة هي في الاحتلال ذاته، وأنه لا يمكن للمقدسيين أن يقبلوا باستمراره أو أن يعيشوا في ظله وإن هنّأهم بحلول شهر رمضان، أو تمنى لهم أعيادًا مباركة، فأعيادهم لن تكتمل قبل استعادة الحقوق وتحرير الأرض والمقدسات.


اليوم، وإذ يمضي عام على جريمة قتل محمد أبو خضير فإن صرخات "انتفاضة انتفاضة" لا يزال يتردد صداها في أرجاء القدس، ولم تفلح إجراءات الاحتلال أو التآمر العربي في إخماد جذوة الحراك التي أطلقتها شهادته. اليوم، تشهد دماء أبو خضير على توق المقدسيين إلى حرية ترخص دماؤهم في سبيلها.


قبل عام، استشهد أبو خضير حرقًا لكن محاولات إخضاع المقدسيين ولدت فيهم حياة جديدة.. وصمودًا وكفاحًا مستمرًا.
 

رابط النشر

إمسح رمز الاستجابة السريعة (QR Code) باستخدام أي تطبيق لفتح هذه الصفحة على هاتفك الذكي.



السابق

زفرة المقدسي الأخير

التالي

إغلاق منازل شهداء القدس وسياسة العقاب الجماعي

مقالات متعلّقة

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

محمد أبو طربوش

سبعون عامًا.. بين العودة والهروب من أبجدية الهزيمة

الإثنين 14 أيار 2018 - 10:08 ص

 سبعون عامًا، تستلقي على نسيج حياتنا، ونحن نحاول أن نلبس الحزن والألم يومًا بعد يوم، في أعيننا الدمع وفي أيدينا الجمر، ونحن نحاول أن نلفظ أبجدية أخرى، غير أبجدية الهزيمة..سبعون عامًا، والخطا تتماسك بو… تتمة »