فيحاء شلش تكتب: #ادفنوا_جرحهم

تاريخ الإضافة الجمعة 18 آذار 2016 - 9:53 ص    عدد الزيارات 3256    التعليقات 0     القسم مقالات

        



فيحاء شلش تكتب: #ادفنوا_جرحهم

يوم بارد ماطر تغزوه السحب، ذاك الذي كان مثقلا بأناتٍ لم يسمعها غيري خلال معركة انتزاع الحق التي خاضها زوجي محمد؛ اضطررت في ذاك اليوم أن أخرج من المنزل في الصباح الباكر تاركة طفليّ نائميْن وكأنني تركت قطعة مني كي ألبي نداء واجبي لدعم الإضراب ونصرة مطلبه.

لم تمر لحظة واحدة دون أن تجتاح ذهني صورة إسلام ولور وهما نائمين، وكيف تركتهما دون أن يعلما بغيابي عنهما ليوم كامل كي أتمكن من إيصال رسالة زوجي المهدد بالموت في أي دقيقة.

ما أقساها من ظروف حين توضع الأمومة بعطفها وتضحيتها في كفة ومحاولة إنقاذ حياة غالية في كفة أخرى، ما أقساها من لحظات حين تبتعد قسرا عن ابن هو روح لك وحياة ما بعدها حياة، شعرت أن الأنفاس تنقطع رويدا رويدا بابتعادي عنهما أو بمجرد التفكير أنهما في مكان وأنا في آخر!

شاء الله خلال هذه الأشهر الطويلة كالدهر أن ألتقي بوجوه حفظت ملامحها عبر وسائل الإعلام وتمنيت لقاءها بشدة ولم أتخيل أن ذلك سيكون في ظل إضراب زوجي عن الطعام، من بين أولئك كان ذوو الشهداء الأقمار الذين زينوا سجلنا التواق للأمجاد فتشرّب كراماتهم، مرتان التقيت بأبي البهاء؛ ذاك الرجل المقدسي المثقل بالعذاب، المغذى بالعزة، المشبع بالأمل، المكلوم حد التعب على فراق بهائه.

في المرتين أعادتني تقاسيم وجهه إلى اليوم الماطر حين تركت طفليّ، رأيت في عينيه لهفة الوالد على ابنه، وخوفه عليه، وحبه للقياه ومقته لفراقه ولو دقيقة، أخجلني من نفسي كثيرا، فأنا فارقت طفليّ يوما واحدا منقوصا، فصفعتني الأمومة مرارا، وأحرقت ما بي من نبضات؛ بينما هو ينتظر عودة نجله "بلا روح" منذ الثالث عشر من أكتوبر وما زال!.

مرت أيام الإضراب وأنا لا تفارقني صورة وجوه أهالي الشهداء الذين تحتجز جثامين أبنائهم في ثلاجات الموتى المتجمدة قهرا وغضبا، الروح فاضت إلى بارئها، لكن الجسد يروي كل الحكاية؛ وفي طيات الحقوق المسلوبة هناك حق يجب أن ينتزع كما الحرية تماما؛ حق بالحرية من نوع آخر يدفئ عظام البهاء وعلاء وحسن وثائر ورفاقهم في الشهادة حين تحتضنها أرضهم المزهوة بأسمائهم.

شعبنا العظيم الذي كنت منارة لنا في الإضراب، وكنت بعد الله سببا رئيسيا لتحقيق هذا الانتصار؛ أما آن لك أن تنتصر لهم كما انتصرت لمحمد بالحراك الشعبي السلمي والمسيرات والاعتصامات والوقفات التي تحيك بعضها ببعض لتطالب بتسليم جثامين الشهداء؟.

أما آن لكل القطاعات أن تخرج لتؤازر أمهات وآباء يبكون كل يوم ألف مرة ويخرجون لنا بوجوه نضرة لا تقبل الضيم؟ أما آن لميادين المدن أن تعج بالمسيرات كالتي أشرقت فينا الأمل خلال الإضراب فتعود لتشرق آمالهم؟ أما آن لذوي شهداء القدس أن يدفنوا جرحهم؟!.
 

رابط النشر

إمسح رمز الاستجابة السريعة (QR Code) باستخدام أي تطبيق لفتح هذه الصفحة على هاتفك الذكي.



السابق

فدوى أبو طير ...شهيدة القدس في يوم المرأة العالمي

التالي

"يوم الأرض" في ظل انتفاضة القدس ودعوات الترحيل الإسرائيلية

مقالات متعلّقة

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

محمد أبو طربوش

سبعون عامًا.. بين العودة والهروب من أبجدية الهزيمة

الإثنين 14 أيار 2018 - 10:08 ص

 سبعون عامًا، تستلقي على نسيج حياتنا، ونحن نحاول أن نلبس الحزن والألم يومًا بعد يوم، في أعيننا الدمع وفي أيدينا الجمر، ونحن نحاول أن نلفظ أبجدية أخرى، غير أبجدية الهزيمة..سبعون عامًا، والخطا تتماسك بو… تتمة »