القدس بين صهوة البراق وصهوة الجواد

تاريخ الإضافة الأحد 11 تشرين الثاني 2007 - 3:59 م    عدد الزيارات 3113    التعليقات 0     القسم

        



اليوم الجمعة (10/8) وفق التقويم الميلادي وهو يوم 27 رجب وفق التقويم الهجري، اليوم الذي فيه كانت معجزة وكرامة ورحلة الإسراء والمعراج، الرحلة المباركة التي بها أسرى الله سبحانه برسوله صلى الله عليه وسلم من مكة إلى القدس ثم عرج به إلى السماء السابعة ثم عاد إلى مكة في الليلة نفسها.

 

[سبحان الذي أسرى بعبده ليلا من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى الذي باركنا حوله لنريه من آياتنا انه هو السميع البصير] سورة الإسراء-1.

 

وإذا كانت هذه المعجزة الخالدة والرحلة المباركة قد سُجلت وطُبعت وحفرت لتكون آية من كتاب الله الخالد (القرآن الكريم) فهي ليست فقط قد أكّدت تلك المعاني الروحية والعقائدية في نفوسنا نحن المسلمين، بل إنها أكدت على تخصيص الرباط المقدس بين مكة المكرمة وبين القدس الشريف، بين المسجد الحرام وبين المسجد الأقصى المبارك، بين القبلة الأولى وبين القبلة الثانية، إنها القدس الشريف وانه المسجد الأقصى المبارك الذي كان هو نقطة التقاء الأرض بالسماء في رحلة الإسراء والمعراج، ولتظل القدس وليظل المسجد الأقصى المبارك دائماً وإلى الأبد بهذه المكانة وهذه المنزلة.

 

هذه المدينة المباركة وهذا المسجد المبارك تشرّفا يوماً بأنْ وطئتهما أقدام رسول الله محمد صلى الله عليه وسلم وفيه صلى إماماً بالأنبياء الكرام عليهم الصلاة والسلام مع أنه هو آخرهم وخاتمهم، وفي ذلك تأكيد ودلالة على أنه هو الذي بعث الرسول صلى الله عليه وسلم ليكمل وليتم رسالة التوحيد التي ابتدأها إخوانه النبيون عليهم السلام.
واليوم وفي هذه الأيام التي تمر علينا بها ذكرى معجزة الإسراء والمعراج وإذا بالقدس تعيش أجواء معركة حقيقية للحفاظ على هويتها وأصالتها أمام سطوة وبطش الاحتلال "الإسرائيلي" الذي يسعى إلى طمس هذه الهوية؛ بل وإلى تزوير التاريخ وتحريفه سعياً لمحاولة إثبات وجود رباط بينه وبين هذا المكان المبارك (المسجد الأقصى).

 

القدس والمسجد الأقصى المبارك ليست هي المرة الأولى التي يخوضان فيها هذه المعركة الحضارية في مواجهة لصوص التاريخ الذين يسعون دائماً لسلبها أصالتها وانتماءها ودائماً وأبداً كانت القدس تنتصر على كل أولئك اللصوص وتظلّ هي تلك اللؤلؤة الثمينة والجوهرة النادرة مصونة محفوظة ليس في الصدف وإنما هي في العيون وفي القلوب، وهل كان أبشع من لصوصية الصليبيين من أهل أوروبا الذين احتلّوا القدس والمسجد الأقصى والذين أذاقوها مرّ الكأس وجرّعوها أصنافاً من الذل والهوان كان أبشعها أنْ يمنع رفع الأذان على مآذنها مدة تسعين سنة، وجعل بعض جنبات مسجد الأقصى إصطبلاً لخيولهم.

 

ولكنها القدس كانت دائماً الشغل الشاغل للبطل الفذ والفارس المغوار ابن كردتسان، إنّه صلاح الدين الأيوبي -رحمه الله- والذي كان إذا سُئِل عن سر اختفاء الابتسامة عن شفتيه فيقال له: لم لا تضحك يا صلاح الدين؟ فكان يقول: "إني أستحي من الله أنْ أضحك وما يزال المسجد الأقصى بيد الصليبيين".

 

وأخذ على نفسه العهد والقسم بأنْ يردّ القدس إلى أصحابها وأن يجمع بين المسجد الأقصى وشقيقيْه المسجد الحرام ومسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم وهذا ما كان. ولكنّه التاريخ غير العادي والتوقيت اللافت الذي فيه دخل صلاح الدين إلى القدس وحرّرها من الصليبيين وكان ذلك في العام 1187 وفق التقويم الميلادي ولكنه كان يوم 27 رجب 583 وفق التقويم الهجري، نعم إنّ تحرير القدس من يد الصليبيين كان ليلة الإسراء والمعراج وأنّ دخول صلاح الدين إليها فاتحاً كان في اليوم نفسه الذي دخلها فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم في رحلة الإسراء والمعراج، فصلاح الدين دخلها وهو يمتطي صهوة جواده ورسول الله صلى الله عليه وسلم دخلها وهو يمتطي صهوة البراق.

 

وليس هذا فحسب، بل إنّ الفاتح صلاح الدين (رحمه الله) قد هيّأ للمسجد الأقصى المبارك هدية وأي هدية، إنّه المنبر الذي بُنِي خصيصاً ليوم الفتح، وهذا ما كان، ولكن المنبر الذي ظلّ علامة الفتح والتحرير، هو الذي امتدت إليه يد الغدر بعد الاحتلال الثاني للقدس وقيام ذلك اليهودي اللئيم دينيس روهان بحرقه يوم 21/8/1969، وأقول الاحتلال الثاني للقدس لأنّ القدس من يوم أنْ فتحها المسلمون في عهد عمر بن الخطاب رضي الله عنه فإنها لم تعرف لها حاكماً سواهم -أي المسلمين- إلا مرتين اثنتين الأولى في عهد الاحتلال الصليبي، والذي امتدّ من عام 1096 وحتى العام 1187، والثانية: في عهد الاحتلال اليهودي والذي امتدّ من العام 1967, وما يزال حتى يومنا هذا 2007، ولكنني على يقين أنّ مصير هذا الاحتلال لن يكون أفضل من سابقه من الاحتلال الصليبي، إنّه إلى زوال واندثار -بإذن الله- وتبقى القدس ويظل المسجد الأقصى المبارك.

 

إننا وأمام احتدام الصراع الحضاري على هوية القدس وتاريخها وامتدادها ورغم قسوة هذا الصراع واختلال موازين القوى فيه إلا أنّني على يقين بأنّ الحق غالب وأنّه منتصر لا محالة، وأنّ أرض فلسطين هذه، وأن أرض الشام المباركة التي شهدت ملامح زوال الاحتلال الصليبي فإنها ستشهد -بإذن الله- مشاهد زوال الاحتلال اليهودي عن القدس الشريف والمسجد الأقصى المبارك.

 

إنّ إصرار الجانب "الإسرائيلي" المحتلّ للقدس والأقصى الشريف على فرض الهيمنة اليهودية عليهما، لا بل إنّه يذهب بعيداً وبشكل تدريجي إلى محاولة ترسيخ ذلك الحق الموهوم والمزعوم عبر السماح لليهود بالدخول إلى ساحات الأقصى وغضّ الطرف عمّنْ يقومون منهم بأداء بعض الطقوس الدينية، هذا فيما هو ظاهر، ولكن ما هو مخفي ويجري تحت الأرض وفي الأنفاق التي حفروها تحت المسجد الأقصى المبارك، فإنّه أبشع من ذلك وأكثر منه عدوانية ونيلاً من حقّنا الإسلامي والعربي الأوحد في ذلك المكان، لا بل إنّ إصرار الجانب "الإسرائيلي" للتأكيد الدائم على أنّ القدس هي عاصمة "إسرائيل" الأبدية بمعنى أنّه لنْ يتم تقسيمها ولا قبول أية سيادة غير يهودية على كل أجزائها وحتى منطقة الحرم الشريف، فإنما يرمي لإفهام الجانب العربي والفلسطيني أنّ "إسرائيل" مصرة في طغيانها واحتلالها للمسجد الأقصى وللقدس الشريف.

 

ولكن يبدو أنّ الجانب "الإسرائيلي" ليس فقط أنّه مغرور بقوته وبطشه وأنه مستقوٍ بالإدارة الأمريكية الإنجيلية الأصولية؛ ولكنّه كذلك جاهل بالنواميس الكونية وأنّه لا يجيد قراءة التاريخ وأنّه يعمي بصره وبصيرته عن إدراك وجود حراكٍ من نوع آخر في المنطقة عموماً وفي فلسطين على وجه الخصوص.

 

يقول النبي صلى الله عليه وسلم: "لا تزال من أمّتي أمة قائمة بأمر الله لا يضرّهم من خذلهم ولا من خالفهم حتى يأتي أمر الله وهم على ذلك"، ويقول أيضاً صلى الله عليه وسلم: "ولا تزال عصابة من المسلمين-أي جماعة- يقاتلون على الحق ظاهرين على من ناوءهم إلى يوم القيامة".

 

إنّ في هذين الحديثين الشريفين تأكيداً على أنّ هوية هذه المنطقة معروفة وإنْ حاول البعض مسخها وطمسها وتحريفها، لا بل إنّ فيها تأكيداً وفهماً لمستقبل هذه المنطقة عبر وجود تلك الفئة المنصورة التي تحدّث عنها النبي صلى الله عليه وسلم  وأنها التي سيكرمها الله سبحانه بالفتح المؤزر المبين، حيث إنها تتميز بعدة مزايا، منها:

1- أنها تسكن في بيت المقدس وأكناف بيت المقدس، وبلاد الشام كلّها تعتبر من أكناف بيت المقدس، ولقد جزم معاذ بن جبل لما تحدث عن هذه الفئة فقال: "هم أهل الشام أو بالشام".

2- أنّ هذه الفئة تكون على الحق وتدعو إليه رغم كثرة من يواجهها من أهل الباطل.

3- أن هذه الفئة تعاني من الخذلان وقلة النصير واللامبالاة من ذوي القربى والأهل والعشيرة من العرب والمسلمين.

4- على الرغم من أنّ حال هذه الفئة مثلما تقدّم، إلا أنها ستُنْصَر وأنّ الله سبحانه سيمدها بمددٍ من عنده وسيأتيها أمر الله سبحانه من النصر والتمكين وهي على تلك الحالة من الخذلان والكرب، فعن معاوية بن أبى سفيان -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "إذا فسد أهل الشام فلا خير فيكم ولا تزال طائفة من أمتي منصورين لا يضرهم من خذلهم ولا من خالفهم حتى يأتي أمر الله وهم على ذلك"، فقال أحد الجالسين: يا رسول الله، أين تأمرني؟، قال: "ها هنا. ونحى بيده نحو الشام".

وعن الإمام أحمد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم  قال: "لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق لعدوهم قاهرين حتى يأتيهم أمر الله وهم كذلك"، قيل: يا رسول الله، أين هم؟، قال: "ببيت المقدس وأكناف بيت المقدس".

 

وعن أبى هريرة رضي الله عنه قال: "لا تزال عصابة من أمّتي يقاتلون على أبواب دمشق وما حوله وعلى أبواب بيت المقدس وما حوله لا يضرهم خذلان من خذلهم ظاهرين على الحق حتى تقوم الساعة".

 

إنّ كل المعاني والنصوص تشير إلى أنّ هذه الفئة من أمة رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنهم على الحق وأنّهم يسكنون أكناف بيت المقدس، وأنهم يقاتلون أهل الباطل وأنّ الناس سيخذلونهم ولا يعينونهم بل يتركونهم يلعقون جراحهم لوحدهم ومع ذلك فإنهم منصورون.

 

وما أجملها تلك الكلمات الصادقة خرجت من فم شاعر الأقصى الدكتور يوسف العظم –رحمه الله- الذي توفاه الله قبل أسبوعٍ واحد وهو يغني للأقصى ويقرض الشعر له، حيث قال مؤكّداً على هذه العلاقة بين المسلم وبين هذا المسجد وعلى المستقبل الواعد لهذه الأرض المباركة عبر علاقة العقيدة التي تربط بين المسلم وبين المسجد الأقصى المبارك:

إنما الأقصى عقيــدة ووســـــــــام وقصيـــــــدة
بــــــــارك الله حـــــــــــوله بآيــــات مجيــــدة
وهو أرض النور فيـه المصطفى أرسى سجوده
عمر يطــــرق أبــواب العــــلى يرعى جنــوده
وحســــــــامٌ من صــــــلاح الدين يجتـاح قيوده
إنـــــما الأقصى عقيدة فافتــــــدوا تلك العقيـــدة
وهو أنغـام عــــذاب ردد الكـــــــون نشــــــيده
فتعـــــــــــالت في سمـــــــاء المجد أنغام فريدة
كــم شهـــــــــيداً منح الأقصى دماه ووريـــــده
من ترى يمســـح جرح البغي قد أوهى زنـــوده
يتحــــــدّى البطـش والطغيـان لا يخشى وعيده
إنــــما الأقصى عقيـــــدة فافتـــدوا تلك العقيـدة
إنــــما الأقصى عقيـــــدة أين من يحمي حدوده
منـــــــح البغي حماه لطريــــــــــــد وطريــدة
فمــــــتى نرجع له المجـــد كـــي نلقى وليـــده
ونصون العـــهد في أعنـــــــاقنا حتى نعيـــــده

 

إننا وفي ذكرى الإسراء والمعراج، وحيث الاستهداف على أشدّه للمسجد الأقصى وللقدس الشريف وحيث ما يزال من بيننا من يبنون آمالهم على رمال وعود كونداليزا رايس وبوش وأولمرت، في الوقت الذي فيه تمعن "إسرائيل" في عدوانيتها ضدّ شعبنا عموماً وضدّ المسجد الأقصى على وجه الخصوص، فإنّنا على يقينٍ لا يتزعزع أن القدس الشريف التي صمدت أمام هجمات واحتلالات كثيرة ولعل أبرزها كان الاحتلال الصليبي، فلقد ذهب ذلك الاحتلال وانقضى وعاد أصحابه يجرّون أذيال الخزي بعد حطين مع أنّه امتدّ طوال تسعين سنة، ولعل الاحتلال "الإسرائيلي" الذي يربض على صدر القدس منذ أربعين سنة لن يكون حظّه أحسن من حظ الاحتلال الصليبي.
إنها القدس وإنّه المسجد الأقصى المبارك التي تشرفت برسول الله يزورها ليلة الإسراء والمعراج وتشرفت بصلاح الدين الأيوبي يعيد إليها البسمة ليلة الإسراء والمعراج، إنها القدس على وعدٍ وميعاد لن يخلف -بإذن الله-، فيها تفرح القدس وتزول عنها ملامح الذل والهوان {فإذا جاء وعد الآخرة ليسوؤوا وجوهكم وليدخلوا المسجد كما دخلوه أول مرة وليتبروا ما علوا تتبيرا}.

 

إنها القدس تظلّ على العهد بين صهوة البراق وصهوة الجواد، من رسول الله يوم الإسراء إلى صلاح الدين يوم الفتح. ويبدو أنّ البعض قد اغترّ بخيولٍ عرجاء يركبها أشباه رجال بسببها ضاعت القدس وإنها ستظل كذلك. لهؤلاء نقول: إنّ التي تشرّفت برسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الإسراء وبصلاح الدين يوم الفتح ستتشرف يوماً بمن يدخلون المسجد كما دخلوه أول مرة وليتبروا ما علوا تتبيراً.

  يـا رب يسّــر قائداً لا ينثني ويكون في يمنى يديْه المخــرج ويقود خيلاً عاديـات جربت فخيول من سبقوه كانت تعــرج مهما تطل أيــام ظلم عدوّنا مهما بدا أن المســـالك ترتـــج فبلادنــا بالفاتحيــن خصيبة وستنبت البطل الجسور وتنتـج

 

وإذا كان الدخول إلى القدس على صهوة البراق هو معجزة ولن تتكرر فإنّ دخول القدس على صهوة الجواد قد حصلت أكثر من مرة، وإني على يقينٍ أنها ستكرر مرة أخرى.

 

يسألونك: متى هو؟ قل: عسى أن يكون قريبا!

رحم الله قارئاً دعا لنفسه ولي بالمغفرة

[والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون].

رابط النشر

إمسح رمز الاستجابة السريعة (QR Code) باستخدام أي تطبيق لفتح هذه الصفحة على هاتفك الذكي.



السابق

مصير الأقصى بين الضعف العربي والانقسام الفلسطينيّ

التالي

حريق المسجد الأقصى وتحطيم الأصنام!!

مقالات متعلّقة

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

محمد أبو طربوش

سبعون عامًا.. بين العودة والهروب من أبجدية الهزيمة

الإثنين 14 أيار 2018 - 10:08 ص

 سبعون عامًا، تستلقي على نسيج حياتنا، ونحن نحاول أن نلبس الحزن والألم يومًا بعد يوم، في أعيننا الدمع وفي أيدينا الجمر، ونحن نحاول أن نلفظ أبجدية أخرى، غير أبجدية الهزيمة..سبعون عامًا، والخطا تتماسك بو… تتمة »