صراع غريب الأطوار حول القدس

تاريخ الإضافة الإثنين 10 كانون الأول 2007 - 1:32 م    عدد الزيارات 2179    التعليقات 0     القسم

        



في الثامن من حزيران 1967 دخل جنود قيادة المنطقة الوسطى إلى قصر المندوب السامي في جبل المكبّر وبدؤوا في إخراج الأغراض التي خلفها مراقبو الأمم المتحدة الذين فرّوا منه مع اندلاع المعارك بين الجيش "الإسرائيلي" والجيوش العربية. الجنود نفّذوا مهمّتهم وهم يصرخون مغتبطين: مقر الأمم المتحدة هناك، اعتُبِر في نظر "الإسرائيليين" دائماً معقلاً معادياً وتذكيراً بعدم اعتراف الأسرة الدولية بحدود الدولة وقرارها باعتبار القدس عاصمة لها.

 

الجلبة التي أثارها جنود الجيش "الإسرائيلي" الذين تدافعوا الى الموقع وصلت إلى علم إيد بول، رئيس المراقبين الذي انتقل إلى مبنى جمعية الشبان المسيحية غربي المدينة. إيد اتّصل بالأمين العام للأمم المتحدة تانت الذي قام بإعلام الإدارة الأمريكية بدوره بما حصل. بعد فترةٍ قصيرة أمر رئيس هيئة الأركان إسحاق رابين الجنود بالانسحاب من الموقع. محاولة الاستيطان "الإسرائيلية" الأولى في شرقي القدس؛ فشلت.

 

المبادرات اللاحقة لتوطين اليهود في شرقي القدس لاقت نجاحاً أكبر، إلا أنّ النتيجة النهائية بقيت إشكالية. يهودا تامير، مدير شركة "أسدود" الذي أوكلت إليه المهمة بتكليفٍ من رئيس الوزراء ليفي أشكول، اختار أداءها من خلال مصادرة أراضي واسعة والشروع في عملية بناء سريعة. بذلك اختلف مع رأي عددٍ من الوزراء من أمثال زراح فيرهفتيغ ومناحيم بيغن اللذين طالبا بالتركيز على "تهويد" البلدة القديمة كلها.

 

تامير ادّعى أنّ إخلاء البلدة القديمة من السكان المسلمين والمسيحيين وإعادة بنائها سيحتاج إلى مدّة طويلة من الزمن ويورّط الدولة في الساحة الدولية، ولذلك يفضّل فرض حقائق سريعة على الأرض من خلال البناء الجديد. المنطقة الأولى التي حدّدها كانت منطقة التماس بين غربي المدينة وشرقيها في القطاع الشمالي منها حيث بُنِيَت هناك أحياء "جفعات همبتار" و"رمات أشكول" والتلة الفرنسية.

 

 إلا أنّ فرضيات تامير التي تبدو منطقية لا تصمد أمام معيار الواقع: بعد أربعين عاماً من بدئه في ذلك المشروع، أصبحت هذه الأحياء التي أقامها أماكن سكنٍ للعرب الفلسطينيين واليهود الأصوليين، مغيّرة طابع المدينة ومكانتها بسرعة.

 

التلة الفرنسية هي حيّ آخذ في التحوّل إلى منطقة عربية حيث ينقضّ السكان العرب عليها، بعضهم فلسطينيّ والآخر "إسرائيلي"، ولكن هذا طرف جبل الجليد فقط: 250 ألف من بين 450 ألف مواطنٍ من القاطنين في شرقي المدينة هم فلسطينيون يسعون إلى تحسين جودة سكنهم. في "جفعات همبتار" و"رمات أشكول" وحي "راموت" الأصلي: تقوم الشريحة الوسطى العلمانية أو الدينية المتسامحة، التي قطنتها في السابق، بإخلاء مكانها لصالح الأصوليين الصارخين.

 

القدس كلّها تفقد عمودها الفقري الإنتاجيّ وتعمّق من اعتمادها على دعم الدولة. شبانها العلمانيون المتعلّمون الموهوبون يغادرون بجموعهم وأهاليهم يتبعونهم بعد حين. قيادة المدينة أصبحت بيد الأصوليين الذين يزجّون بمفاهيمهم وسلّم أولوياتهم إلى الحياة فيها، هذه العملية المشتقة من معطيات ديمغرافية تصبّ في النبوءة التالية: بعد ثماني سنوات سيصبح عدد التلاميذ في المدارس الابتدائية في الوسط الأصولي أكثر من ثلاثة أضعاف عددهم في المدارس الرسمية والرسمية–الدينية.

 

هذه هي الخلفية التي مقابلها من الصحيح محاكمة وزن الأصوات التي تتعالى في الآونة الأخيرة من الجمعيات التي تطالب الجمهور بالتطوّع من أجل إبقاء القدس موحدة. هناك فجوة هائلة بين الكلمات التي تتعالى من حناجر هذه الجمعيات وبين القوى التي تبلور ملامح هذه المدينة وتحدّد طابعها. الشعارات الحماسية التي تصدر عن قادة هذه الجمعيات والمؤتمرات الصاخبة التي تبادر إليها والتصريحات التي تصدر عن أعضاء الكنيست وهم يحاولون تقييد الدولة بالالتزام بوحدة القدس– تسري على المدينة التي تشبه صفد رويداً رويداً (مع كلّ الاحترام لهذه المدينة) حيث تشبه في أزقتها وطابعها مدينة أم الفحم (مع كلّ الاحترام لهذه المدينة). القدس الذهبية التي تدور حولها حرب ضارية لا هوادة فيها بين "إسرائيل" والفلسطينيين والعالم العربي كله، وبين "الإسرائيليين" أنفسهم، هي مدينة سيعتبر الكفاح من أجل وحدتها عمّا قريب عملاً غريب الأطوار.

رابط النشر

إمسح رمز الاستجابة السريعة (QR Code) باستخدام أي تطبيق لفتح هذه الصفحة على هاتفك الذكي.



السابق

أكذوبة بقايا الهيكل

التالي

توريث القرارات لتهويد القدس

مقالات متعلّقة