الأقصى مستباح ورواده يعانون والحفريات تنخر أساساته

تاريخ الإضافة السبت 22 آب 2009 - 10:38 ص    عدد الزيارات 3531    التعليقات 0     القسم

        



قبل أربعين عاماً من اليوم أحرق الصهيوني المتطرف دنيس مايكل روهان المسجد الأقصى المبارك (حريق الأقصى في 21-8-1969). وفي الحقيقة فقد راود العقل اليهودي منذ القدم فكرة السيطرة على الأقصى وإقامة هيكل سليمان مكانه، لكن هذه الفكرة بدت أقرب ما تكون إلى الحقيقة مع احتلال كامل القدس عام 1967. في تلك اللحظة التاريخية بدا أن الحلم اليهودي على وشك التحقيق، ومع ذلك فقد تهيّب اليهود المنتصرون بشكل مذهل في تلك الحرب الخاطفة هدم الأقصى، واكتفوا بجرف حارة المغاربة، لإقامة مكانٍ لتلاوة الطقوس الدينية أمام ما يسمونه حائط البراق. ولعل العناية الإلهية كانت حاضرة في سلبهم جرأة التعدي على ثاني بيت وضع للناس في الأرض للعبادة. 

 

مع استفاقة العرب من صدمة الهزيمة، بدا لليهود أن القدرة على هدم الأقصى بشكل مباشر، باتت أصعب، وإذاك بدأ مسلسل لم ينته إلى اليوم، يهدف إلى تحويل أسفل الأقصى ومحيطه إلى مناطق عبادة لليهود، مع إمكانية وصل هذه المناطق السفلية والمحيطة بالأقصى ببعضها، والسيطرة على أجزاء من الأقصى، أو تركه ينهدم بفعل أي هزة طبيعية نتيجة الحفريات التي تنخر أساساته، عندها تكون الفرصة الذهبية لبناء الهيكل مكانه قد أتت!. يترافق ذلك مع سعي يهودي مستمر، لإثبات نوع من الأحقية التاريخية لليهود في القدس.

 

الأقصى للمسلمين ولليهود!

 

خلال العام الجاري ظهرت رؤية أميركية جديدة تدعو للتعامل مع القدس كعاصمة دينيّة مفتوحة لجميع الأديان، وتكوين إدارة أمميّة مشتركة، و"السماح لأتباع الأديان الثلاثة بالوصول إلى مقدّساتهم". وقد رفض كثيرون هذه الفكرة لتخوفهم من تمكّن اليهود النفاذ من خلال "الإدارة المشتركة" لتشريع دخولهم إلى الأقصى.

وعلى رغم أن هذه المعارضة صحيحة، إلا أن ما ينبغي أن يكون معلوماً لجميع المسلمين اليوم أن اليهود غير ممنوعين راهناً سوى من دخول أجزاء المسجد الأقصى المسقوفة (المسجد القبلي، قبّة الصخرة، المصلّى المرواني، وسائر المصليّات والمدارس) أمّا ساحات المسجد الأقصى فهي مفتوحةٌ بالفعل أمام اليهود والأفواج السياحيّة، وهم يدخلونها عبر باب المغاربة في أيّ وقتٍ يشاؤون، وفي أيّ يومٍ من أيّام الأسبوع، ومنهم من يؤدي طقوس الصلاة فيها، وأن الاقتحامات التي يجري الحديث عنها في الإعلام من وقت لآخر لا تعني مجرّد دخول اليهود إلى المسجد الأقصى، وإنّما دخولهم في مجموعات ومحاولتهم أداء طقوسٍ علنيّة، أو دخولهم بشكلٍ استعراضيّ وعلنيّ لاستفزاز المصلّين المسلمين.

يقول الشيخ تيسير التميمي، قاضي قضاة فلسطين، في 18-10-2008 أن ما يقرب من 30 جماعة يهودية استيطانية تقتحم المسجد الأقصى يومياً وترتكب فيه الفواحش وتشرب الخمور وتدنسه بأفعال مسيئة لحرمة المسجد!. وتؤكد "مؤسسة الأقصى للوقف والتراث" في 8-2-2009 أن سلطات الاحتلال "تـُدخل يومياً من باب المغاربة مئات السياح الأجانب من الرجال والنساء بلباس غير محتشم والتي لا تليق بالمسجد المبارك".

وثمة ملاحظة واضحة في هذا السياق تتعلق بالحماية التي توفرها حكومة الاحتلال لدخول المستوطنين إلى الأقصى، ولو اتخذ هذا الدخول طابع الاستفزاز والاستعراض، وأن تدخلها بمنع المستوطنين من دخول الأقصى لا يكون إلا عندما يتوقع المستوى الأمني أو السياسي اندلاع مواجهات قد تتعدى المسجد الأقصى. 

وتأتي "المناورة" التي قامت بها شرطة الاحتلال فجر الخميس 11-6-2009، والتي بمقتضاها أغلقت أجزاءً من المسجد الأقصى؛ تشمل المتحف الإسلامي ومنطقة مسجد النساء والساحة التي بينهما، إضافة إلى إغلاق منطقة مسطح المصلى المرواني والباب الرئيس للمصلى المرواني، ومنطقة الأبواب العملاقة للمصلى المرواني، حتى منطقة باب الرحمة والساحات المقابلة، كنذير يشير إلى احتمال تقسيم الأقصى جغرافياً، بين اليهود والمسلمين، وهو أمر لا يخفيه الحاخامات اليهود على كل حال، خصوصاً مع اعتماد  قوات الإحتلال الإسرائيلي لـ "اجتهاد" تمنع بموجبه حراس المسجد الأقصى من ممارسة صلاحياتهم في ساحات المسجد الأقصى الداخلية، على اعتبار أن هذه الساحات الداخلية عبارة عن ساحات عامّة خاضعة لبلدية الاحتلال في القدس.

ولا يمنع  وجود هذا الخطر أننا أمام واقع خطير مفاده أن المسجد الأقصى المبارك بات عملياً مقسماً بين اليهود والمسلمين، ولكن من وجه آخر، بحيث يتمكن اليهود من دخول ساحاته المفتوحة وأداء طقوسهم فيها، أو دخول السياح إليه، بغض النظر عن دينهم، ولا يحق لحراس الأقصى ولا المسلمين منع هؤلاء، تحت طائلة الاعتقال. وهكذا، نحن أمام حقيقة مؤسفة للغاية، إذ بات المسجد الأقصى اليوم أكثر من أي وقت مضى مكاناً مفتوحاً للعبادة، يدخله المسلمون لأداء صلاتهم، واليهود لممارسة طقوسهم، ومعتنقو أي دين آخر للسياحة!.

 

الأنفاق والحفريات

 

يوجد اليوم تحت وحول المسجد الأقصى المبارك 25 حفرية معروفة، 12 منها نشطة، و13 مكتملة، تشمل كُنُساً وأنفاقاً ومعارض أثرية تعرض التاريخ وفق الرؤية اليهودية. وهي على الشكل الآتي:
1. حفريّات الجهة الجنوبيّة:
وهي تهدف إلى خلق ما يُسمّى بـ"مدينة داود"، وهي مدينةُ تمتدّ بحسب الادعاءات الصهيونيّة من مجمّع عين سلوان جنوباً وحتى أسوار المسجد الأقصى شمالاً، والجهة الرئيسة المسؤولة عن الحفريّات في جنوب المسجد هي جمعيّة "العاد".

2. حفريّات الجهة الغربيّة:
تقع فيها معظم المزارات، ومنها يمرّ الطريق الذي يصل بين جنوب هذه المدينة في سلوان وشمالها عند درب الآلام، وفيها أيضاً تقع معظم مداخل هذه المدينة، وتُعدّ جمعيّة "الحفاظ على تراث الحائط الغربيّ" المسؤول الرئيس عن الحفريّات في هذه الجهة، وفي الفترة الأخيرة بدأت جمعيّة "عطيرت كوهينيم" تنشط أيضاً هناك.

3. حفريّات الجهة الشماليّة:
تتركّز في الزاوية الشماليّة الغربيّة للمسجد الأقصى، وتحديداً في منطقة المدرسة العمريّة الملاصقة لدرب الآلام، حيث يدّعي الاحتلال وجود ما يُسمّى بـ"بركة القبّرة"  أو العصفور تحت المدرسة العمريّة.

 

 

 

.. والتضييق على المصلين

 

انطلاقاً من الدور الكبير لفلسطينيي الـ 48، وللمقدسيين، (سكان الضفة الغربية وقطاع غزة ممنوعون من الوصول إلى الأقصى، لعدم حملهم البطاقة الزرقاء -أي حق الإقامة في دولة الاحتلال-) في صد اليهود وإعاقة مخططاتهم، تمارس سلطات الاحتلال سياسة قمعية ضدهم، وضد كل من يحاول إعاقة تدفق اليهود إلى الأقصى، وقد وصل الأمر إلى حد اعتقال الشيخ علي العباسي، إمام المسجد الأقصى المبارك، والمهندس بسام الحلاق، رئيس الجهاز الفني في لجنة الإعمار التابعة لدائرة الأوقاف الإسلامية، وعلي بكيرات وباسم الزغير من لجنة الإعمار أثناء عملهم داخل مسجد قبة الصخرة المُشرّفة في المسجد الأقصى المبارك.

وما تزال سلطة الآثار في دولة الاحتلال تمنع إدارة الأوقاف من تنفيذ العديد من أعمال الترميم والتأهيل والتبليط في المسجد الأقصى. وبدلاً من ذلك قامت سلطة الآثار التابعة لحكومة الاحتلال بنفسها بترميم بعض الأسوار لغايات مشبوهة، كون سلطة الاحتلال هي التي تقوم بالترميم من دون أن يعرف أحد كنهه وأهدافه الحقيقية، بل إن بعض المراقبين يؤكدون أن الغاية منه محاولة زرع آثار يهودية في السور .

كما واصلت سلطات الاحتلال أعمال الترميم والتحسين في حائط البراق، الذي هو جزء من الحائط الغربي من المسجد للمسجد الأقصى، رغم اعتراض إدارة الأوقاف الإسلامية، بدعوى أن "حائط البراق جزء لا يتجزأ من المسجد الأقصى المبارك وأن الأوقاف الإسلامية هي المسؤولة عن صيانته وترميمه كبقية جدران المسجد الخارجية".

فضلاُ عن محاولات حكومة الاحتلال المستمرة وضع يدها على جزء من مقبرة الرحمة الملاصقة للمسجد الأقصى، بهدف تحويلها إلى "حديقة وطنية"، وسرقتها  حجراً ضخماً من حجارة القصور الأموية في المنطقة المعروفة بالخاتونية جنوب شرق المسجد الأقصى، ونقله إلى أمام مبنى برلمان دولة الاحتلال. إضافةً لما تقدّم، فإنّ سلطات الاحتلال تتدخّل في عمل حرّاس المسجد الأقصى الذين تُعيّنهم إدارة الأوقاف، وتعتدي عليهم بشكلٍ شبه يوميّ.


يقول أمين عام جامعة الدول العربية، عمرو موسى، في 16-4-09، واصفاً مجموعات المستوطنين الذين يقتحمون الأقصى بأنهم "مجموعة من السفلة". وهو موقف هام بلا شك. لكن هل ترجمت هذه المواقف إلى أفعال، أو تمثلت بردود فعل عملية؟  للأسف لا، إذ لا يبدو أن ممارسات الاحتلال والمستوطنين لها أدنى تأثير على مبادرة السلام العربية أو الموقف العربي من "إسرائيل".


 

رابط النشر

إمسح رمز الاستجابة السريعة (QR Code) باستخدام أي تطبيق لفتح هذه الصفحة على هاتفك الذكي.



السابق

الحرائق ما زالت مشتعلة.. ولن يطفئها سوى التحرير

التالي

القدس (يرحلون وتبقى)

مقالات متعلّقة

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

محمد أبو طربوش

سبعون عامًا.. بين العودة والهروب من أبجدية الهزيمة

الإثنين 14 أيار 2018 - 10:08 ص

 سبعون عامًا، تستلقي على نسيج حياتنا، ونحن نحاول أن نلبس الحزن والألم يومًا بعد يوم، في أعيننا الدمع وفي أيدينا الجمر، ونحن نحاول أن نلفظ أبجدية أخرى، غير أبجدية الهزيمة..سبعون عامًا، والخطا تتماسك بو… تتمة »