القدس وسلاح التكبير

تاريخ الإضافة الأحد 11 أيلول 2016 - 10:54 ص    عدد الزيارات 7042    التعليقات 0     القسم مقالات

        


زياد ابحيص

باحث متخصص في شؤون القدس

ليس التكبير شعيرةً دينية فحسب، ففي زمن الاحتلال وتهديد الهوية بالطمس والإحلال تكتسب الشعائر معانٍ مختلفة لم يكن العابدون ليكتشفوها على مدى قرونٍ ما لم يتعرض وجودهم وهويتهم للخطر. في زمن تهديد الهوية، واختلال موازين القوى، ومحدودية القدرة على الفعل؛ قد تمسي شعيرة من الشعائر سلاحاً ماضياً في تلك الحرب، إذ تشكل إعلاناً دائماً ومستمراً لبقاء تلك الهوية واستحالة تغييبها أو طمسها، بل تشكل إعلاناً مستمراً للقوة الكامنة في تلك الهوية تذكر من يهددها بقدرتها على قلب الموازين ضده ولو بعد حين.

التكبير العلني شعيرة تتكرر خمسة مراتٍ في كل يومٍ، تفتتح الأذان وتعلن أن الإسلام حاضر وموجود في هذه المساحة العامة، مرة منها قبل أن يبدأ أي صوتٍ أو ضجيج للمدنية أو لصخب الحياة، يشق سكون الليل ليعلن أن "الله أكبر" حاضرة حين لا يحضر أي صوت، وهذا بالضبط ما دعا نواب الكنيست ذات نهار من شهر 12/2009 لأن يقدموا مطالبةً بحظر أذان الفجر في الأحياء العربية المجاورة لأحياء اليهود، ودفع شرطة الاحتلال أن تفرض على الأوقاف الأردنية أن توجه سماعات مئذنة المغاربة إلى داخل الأقصى فقط، بل وأن توقفها في بعض الأحيان.

على الطرف الآخر هناك كتلة سكانية يهودية جاءت بهم عقيدة صهيونية انعزالية إحلالية، قائمة على إلغاء الآخر بالقوة، وتأسيس حياتها على أنقاض حياته، وهي تمكنت من اجتذاب أتباعها للعيش حيث أنهت القوة وجود الآخر الفلسطيني ونمط حياته، أما حيث تمكن من البقاء فالقصة مختلفة، فانعزالية الصهيونية يمكن أن تنقلب من نقطة قوةٍ إلى عنصر ضعفٍ ذاتي، فالعقيدة الصهيونية لا تسمح بتقبل الآخر ولا بالتسامح مع نمط حياته، فإذا ما عجزت هي عن إقصائه فالبديل الطبيعي هو أن تتجه للانكفاء عنه، وهذا ما تحكيه قصة الصراع السكاني في القدس؛ إذ كلما اقتربنا من مركز المدينة العربي كلما نقصت نسبة السكان اليهود رغم مرور نحو 140 عام على أول محاولات الاستيطان الصهيوني في ذلك المركز: فنسبة اليهود اليوم تقارب 62.6% من سكان المدينة بشطريها مع نهاية عام 2014، لكنها تنخفض إلى 39% في شرقي القدس، ولا تزيد عن 10% داخل البلدة القديمة؛ وإذ نجح الاحتلال الصهيوني في بناء مستوطنات كبرى وجذب السكان إليها إلا أن جود العرب المقدسيين ونمط حياتهم ومقاومتهم فوق ذلك، شكلت كلها عناصر كبحٍ لقدرته على اجتذاب اليهود الصهاينة إلى شطر المدينة الشرقي رغم استخدامه كل ما يملك من قوة اقتصادية وسياسية وأمنية لتحقيق ذلك.

يمسي التكبير هنا تذكيراً يومياً مستمراً بأنكم لم تتمكنوا من إلغاء الآخر الفلسطيني، وأن نمط تديّنه وأذانه يذكركم بذلك خمس مراتٍ يومياً، وبأن هذا الآخر قادر على تهديد أمنكم وحياتكم في أية لحظة، ويزيد في عقدة التكبير أنه مرتبط بالجهاد والقتال بطبيعته في ذهن الفرد المسلم، فهو إذا ما نفذ أي هجومٍ افتتحه كذلك بالتكبير، وهو السلاح الذي تواجه به المرابطات ويواجه به المرابطون موجات اقتحامات المسجد الأقصى، فـ"الله أكبر" باتت في العقل الصهيوني تحمل دلالة راسخة: أنت غير مرحبٍ بك هنا، ولك هنا أعداء يتربصون بك ويترقبون اختلال موازين القوة لمباغتك.

التكبير إذن سلاح في الواقع وليس في المجاز، فهو أولاً إعلان بقاءٍ واستمرارٍ في وجه محاولة الإلغاء، وثانياً إعلان تربّص بمن سمحت له القوة المسلحة أن يقيم وجوده عنوةً على هذه الأرض، بأنها ما تزال تتشوق لطرده عن ترابها، وهي متطلبات ضرورية لاستمرار الصراع ومراكمة عناصر القوة لتصحيح ميزانها المختل.

هذا الفهم للتكبير يعطي للأذان أبعاداً ودلالاتٍ أخرى في ذهن من يؤذن، ولا بد أن يعطي للتكبير الجماعي في العيدين دلالةً جديدة في ذهن كل من يؤديها، فجبال القدس كلها تردد صدى التكبير إذا ما صدحت به مئات آلاف الحناجر، ولن يبقى نائم في مستوطنة إلا وصلته التكبيرات إلى غرفة نومه، لتذكره بأن هنا جموع غفيرة تحمل الهوية المناقضة لك، وتعلن استمرارها ووجودها ونمط حياتها في أفق المدينة التي تظنها أنت أورشليم.

لو كانت هناك من وصيةٍ إلى نخبة الدعاة والمفتين وقادة الرأي والمجتمع وأهل المبادرة من الشباب فهي أن تتحول صلوات العيد إلى مناسبات للتوافد على الأقصى من كل المدن والقرى الفلسطينية كما في ليلة السابع والعشرين من رمضان، مكبرين على الطرقات والحواجز وفي أنحاء المدينة وفي ساحة المسجد الأقصى بأعلى الصوت، حتى تضج المدينة وطرقاتها ومداخلها بالتكبير، فتصبح مهمة جذب مزيدٍ من اليهود إلى جوار أهلها أصعب وأصعب. لا بد أن نغتنم العيدين كمناسباتٍ مضادة في الاتجاه والمضمون لمسيرة توحيد القدس الصهيونية في شهر أيار أو حزيران من كل عام، نستعيد بها المبادرة وروح التحدي، نطوف بها المدينة مكبرين، ومعلنين أنها القدس ولن تكون أورشليم مهما كان ميزان القوة مختلاً. 

رابط النشر

إمسح رمز الاستجابة السريعة (QR Code) باستخدام أي تطبيق لفتح هذه الصفحة على هاتفك الذكي.



السابق

المسجد الأقصى: 47 عاما والخطر يسبق الإدراك

التالي

جثامين الأجانب الغرباء على قمة جبل عين كارم

مقالات متعلّقة

براءة درزي

برد الثلاجات إذ يغدو لهيبًا!

الخميس 12 أيلول 2019 - 3:06 م

لا ينفكّ الاحتلال يستغلّ جثامين الشهداء ومقابر الأرقام ضمن وسائل الضبط والعقاب التي يسعى عبرها إلى ترويض الفلسطينيين، وخلق مجتمع خانع راضٍ بالاحتلال، تارك للمقاومة، نابذٍ لها، معرضٍ عنها. وتتحالف أذرع… تتمة »

علي ابراهيم

خمسون عامًا على الجريمة.. والأقصى حيٌّ فينا

الثلاثاء 20 آب 2019 - 4:48 م

كثيرةٌ هي المشاهد التي تؤثر بك تأثيرًا شديدًا، وتغير في كنهك أمرًا صغيرًا لا تدركه، ولكنه عميق الأثر، غائر المعنى.. وكثيرة أيضًا تلك الأسئلة البسيطة الساذجة ولكنها وفي ثوب البساطة تزخر بأعظم المعاني، … تتمة »